حصاد الطلاب

تفسير الآيات (127-129) من سورة البقرة

 
 
صورة Admin Admin
تفسير الآيات (127-129) من سورة البقرة
بواسطة الخميس, 9 يوليو 2015, 6:03 م - Admin Admin
 

إعداد الطالبة

آلاء سرحيل

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، فهذا البحث تفسير ثلاث آيات من سورة البقرة، قمتُ بتفسيرها تفسيرًا إجماليًّا مستعينةً بأمهات التفاسير، فإن كان نقلي حرفيًا عزوت في الحاشية إلى المصدر مباشرة، وإن تصرفت في جمله ذكرت قبله كلمة (انظر)، ولم أكتب في الحاشية اسم التفسير، وإنما اكتفيت بنسبته إلى مؤلفه اختصارًا، تاركة لثبت المصادر والمراجع توضيح كافة بيانات الكتاب، ولم تظهر لدي صعوبات علمية حقيقية بفضل الله وتيسيره إلا أن الوضع الصحي الحالي لم يسمح لي بالعكوف على البحث وإتمامه، راجية من الله العفو والمغفرة والعون على استدراك التقصير، إنه القادر على كل شيء، والحمد لله رب العالمين.

 

 

المطلب الأول: رفع قواعد البيت ودعاء إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-

يقول الله تعالى: { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127}

بعد أن مهد الله في الآيات التي سبقتها أمر البيت دينًا ودنيا، أتبعه ببنائه مشيرًا إلى ما حباهم به من النعمة، وما قابلوه بها من كفرها باختيارهم لأن يكونوا من غير الأمة المسلمة التي دعا إبراهيم لها لما دعا للرسول محمد صلى الله عليه وسلم[1]، فيقص القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاية حال ماضية عن أبيه إبراهيم عليه السلام عندما باشر رفع أساس البيت الحرام مع ابنه إسماعيل، فقال:

واذكر يا محمد –صلى الله عليه وسلم- لما رفع إبراهيم قواعد البيت الحرام مع ابنه إسماعيل، وعبر بالمضارع مع أن القصة ماضية؛ استحضارًا لهذا الأمر ليقتدي الناس به في إتيان الطاعات الشاقة مع الابتهال في قبولها، وليعلموا عظمة البيت المبني فيعظموه[2].

واختلف أهل التأويل فيما إذا كان إبراهيم قد أنشأ القواعد ابتداء ثم اندثرت، فأعاد رفعها، أو كانت القواعد منذ عهد آدم، فأمر الله إبراهيم برفعها على ثلاثة أقوال[3]:

الأول: أن قواعد البيت بناها آدم عليه السلام ثم اندثرت، فدل الله نبيه إبراهيم عليها وأمره برفعها.

الثاني: أنها قواعد بيت لآدم، أهبطها الله من السماء إلى الأرض عندما هبط آدم، ثم رُفِع أيام الطوفان إلى السماء، فجاء إبراهيم وأعاد رفعه على الأرض.

الثالث: أن إبراهيم ابتدأ بناءه بأمر الله ورفع قواعده.

والراجح أنه لم يثبت لدينا خبر يؤكد هذا القول أو ذاك، بل الثابت أن الله أمر إبراهيم برفع قواعد البيت، ويبقى خبر قدمه أو ابتدائه محتملاً يفتقر إلى الدليل.

كما اختلف أهل التأويل في مسألة أخرى، وهي: هل رفع قواعدَ البيت إبراهيم وإسماعيل معًا، أم أن الذي قام بالرفع هو إبراهيم، وكان إسماعيل يساعده فيناوله الحجارة. على ثلاثة أقوال أيضًا[4]:

الأول: رفعها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام معًا.

الثاني: رفع قواعد البيت إبراهيم، وكان إسماعيل يناوله الحجارة.

الثالث: رفع قواعد البيت إبراهيم، وكان إسماعيل طفلاً صغيرًا حينئذ.

ورجح الطبري القول الأول، فقال: "أن قواعد البيت رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعًا، وذلك أن إبراهيم وإسماعيل إن كانا هما بنياهما ورفعاها فهو ما قلنا، وإن كان إبراهيم تفرّد ببنائها، وكان إسماعيل يناوله، فهما أيضًا رفعاها؛ لأن رفعها كان بهما، من أحدهما البناء ومن الاَخر نَقْلُ الحجارة إليها ومعونة وضع الأحجار مواضعها، ولا تمتنع العرب من نسبة البناء إلى من كان بسببه البناء ومعونته"[5].

ثم اختلف أهل التأويل مرة ثالثة في صاحب القول "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم":

فقال بعضهم: بأن الدعاء صادر من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام على تقدير (قائلَين).

وقال آخرون: بل قائل ذلك إسماعيل عليه السلام، ويكون مرفوعًا بالجملة المقدرة بعده (يقولُ)[6].

ورجح الطبري أن المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام[7]، بينما رجح ابن عاشور أن القول لإبراهيم فقط؛ لأنه هو الذي يناسبه الدعاء لذريته، لأن إسماعيل كان صغيرًا حينئذ[8].

وهذا الدعاء منهما دلالة على الحالة التي كانت عليهما من ترددهما بين الخوف والرجاء، فهما يسألان الله الرضا والقبول والثواب، والله هو السميع لدعائهم وقولهم، العليم بنيتهم وإخلاصهم[9].

{ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)}

أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه دعا أيضًا وابنُه أن يجعلهما مستسلمَين لأمره، خاضعَين لطاعته، لا يشركون معه أحدًا. ثم توجها بالدعاء للذرية، وخصا منها بعضها؛ لما أعلم الله به خليله من أن بعض ذريته من لا ينال عهده لظلمه وفجوره، كما أن الحكمة الإلهية لا تقتضي اتفاقَ الكل على الإخلاص والإقبالَ الكلي على الله عز وجل، فإن ذلك مما يُخلُّ بأمر المعاش. وقيل أنهما عنيا بذلك العرب.

وسألا الله أن يريهما المواضع التي يتقربا إليه فيها بما يرضيه من عمل صالح، ذبيحة أو صلاة أو طواف أو سعي، وذهب بعض المفسرين إلى أن مرادهما الرؤية البصرية أي أظهرها لأعيننا حتى نراها، وذهب آخرون إلى أن المراد الرؤية القلبية أي علِّمنا شرائع حجنا، وما ينبغي أن نأتيه من عمل وقول، وهناك قول ثالث بأن المقصود العلم والرؤية معًا.

ثم دَعَوَا الله أن يتوب عليهما، إما طلبًا للتثبيت والدوام، أو تعليمًا لذريتهما أن هذا موطن استجابة الدعاء وهو محل تنصل من الذنوب إلى الله، كما يُحتمل أن يكون المقصود تب علينا وعلى ظلم ذريتنا الذين أعلمتنا أمرهم من ظلمهم وشركهم حتى ينيبوا إلى طاعتك إنك أنت المتفضل على عبادك بالعفو والمغفرة، الرحيم بهم، تنجي من سخطك من تشاء برحمتك[10].

وفي سياق الدعاء لهما ولذريتهما لم ينسيا أن يخصا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بدعوة خاصة، وهذا يوضح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا دعوة أبي إبراهيم.

فسألا الله أن يبعثه الله من هذه الأمة فيعرفوه ويتحققوا فضله ويشفق عليهم ويحرص، فيتلو عليهم الوحي، ويعلمهم القرآن والحكمة، ويطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان وينميهم ويكثرهم بطاعة الله.

والله هو القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء أراده، الحكيم الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل.

وقيل المقصود بالحكمة هنا السنة، وقيل: بل هي المعرفة بالدين والفقه فيه. ورجح الطبري القول الثاني؛ أي العلم بأحكام الله التي لا يُدرَك علمها إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم والمعرفةُ بها، وما دلّ عليه ذلك من نظائره[11].

 

 

ثبت المصادر والمراجع

  1. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، القاهرة، ط1، 1422هـ-2001م.
  2. المحرَّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، للقاضي أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1422هـ-2001م.
  3. مفاتيح الغيب، للإمام فخر الدين محمد بن ضياء الدين عمر الرازي المشهر بخطيب الري، دار الفكر، بيروت، ط1، 1401هـ-1981م.
  4. تفسير القرآن العظيم، للإمام الحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، تحقيق مجموعة من المحققين، مؤسسة قرطبة للطبع والنشر والتوزيع، الجيزة، ط1، 1421هـ-2000م.
  5. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للإمام برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، د.ط، د.ت.
  6. إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، للإمام أبي السعود محمد بن محمد العمادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ط، د.ت.
  7. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للإمام أبي الفضل شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ط، د.ت.
  8. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1423هـ-2002م.

التحرير والتنوير، للإمام محمد الطاهر ابن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.



[1] ينظر: تفسير البقاعي: 2/157.

 [2] تفسير الآلوسي: 1/383.

[3]  تفسير الطبري: 2/548-556، تفسير ابن عطية: 1/210، تفسير الرازي: 4/62.

[4]  ينظر: تفسير الطبري: 2/557-563، تفسير ابن عطية: 1/210، تفسير الرازي: 4/63، تفسير ابن كثير: 2/77.

[5]  تفسير الطبري: 2/563.

[6]  ينظر: تفسير الطبري: 2/562-563، وتفسير ابن عطية: 1/211، وتفسير ابن كثير: 2/77، وتفسير أبي السعود: 1/160.

[7]  تفسير الطبري: 2/563.

[8]  تفسير ابن عاشور: 1/719.

[9]  ينظر: تفسير السعدي: 66، والشعراوي.

[10]  ينظر: تفسير الطبري: 2/565-572، تفسير ابن عطية: 1/211، تفسير الرازي: 4/67-71، تفسير ابن كثير: 2/93-95، تفسير أبي السعود: 1/161، تفسير الآلوسي: 1/385-386، تفسير ابن عاشور: 1/720-722، تفسير أبو زهرة.

[11]  ينظر: تفسير الطبري: 2/572-578، تفسير ابن عطية: 1/212، تفسير الرازي: 4/72-74، تفسير ابن كثير: 2/96-98، تفسير البقاعي: 2/161-162، تفسير أبي السعود: 1/162، تفسير الآلوسي: 1/386-387، تفسير السعدي: 66، تفسير ابن عاشور: 1/722-724، تفسير أبو زهرة.