حصاد الطلاب

التفسير الإجمالي للآيات [٢٥ ، ٣٧ ]

 
 
صورة Admin Admin
التفسير الإجمالي للآيات [٢٥ ، ٣٧ ]
بواسطة الخميس, 9 يوليو 2015, 2:39 م - Admin Admin
 

بواسطة - حسن تمياس

 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا۟ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَـٰبِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿٢٥

 

وأخبِرْ أيها النبي المبشر كلَّ من جمع بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح ببشارة عظيمة أعدها الله لهم، مشتملة على:

بساتينَ فيها: أنهارٌ من أصناف متعددة: ماءٍ غير متغير، ولبنٍ لم يتغير طعمه، وخمر لا تُذهب العقول، وعسلٍ مصفى؛ وأشجارٌ وفيرة يجتن بها من تحتها، وتحمل أصنافا من ثمار شتى مختلفة الشكل واللون، لكنها تتشابه في الحسن واللذة، يتلذذون بها متى شاؤوا وكيفما شاؤوا.

وزوجاتٍ مطهرات من جميع ألوان الدنس، سواء الحسي منها كالحيض ونحوه، أوالمعنوي كسوء العشرة ونحوه.

وحياةٍ خالدة في نعيم الجنة لا موت فيها ولا خروج ولا شيء يكدر فيها عليهم نعيمهم الذي يتفضل الله به عليهم. 

 

 

وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٣٥﴾فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴿٣٦﴾فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴿٣٧

 

ولمّا انقضى مجلسُ ابتلاء الملائكة والشيطان بامتثال الملائكة لأمر ربها بالسجود لآدم، واستكبار الشيطان واستحقاقه لعنة الله، جاء دورُ آدم ليخوضَ أوَّل ابتلاء له.

فبعد أن خلقَ اللهُ تعالى حواءَ وزوَّجَها آدم أسكنهما الجنة، وأباح لهما الانتفاع بخيراتها إلا شجرةً، ابتلاهما بعدم قربانها، وحذّرهما من ظلم ارتكاب المخالفة والمعصية بالأكل منها.

فامتثل آدمُ وزوجُه أمرَ ربه أوّل الأمر، ولم يقرباها، فلم يرُقِ الحالُ للشيطانَ اللعين، الذي كان يُبطن العداوة لآدم، إذ كان يعتقد أن آدمَ هو سبب وقوعه في اللعنة والطرد من الجنة، فأعمل جُهده وحِيَله ووساوسه في إيقاع آدم في معصية الله بأن يقرب الشجرة مُوهِمًا إياهما أنه ما يريد إلا النصح، حيث أقسم له أنه ما مُنع من الأكل إلا لحرمانه من صيرورته هو وزوجه من الملَك، وكذا من الخلود، كما قال تعالى في سورة الأعراف: فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ ﴿٢٠﴾ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ ﴿٢١﴾.

فزلّ آدمُ ووقع وزوجُه في شرَك الشيطان، فأكلا منها، فظهرت لهما سوءاتهما، فسارعا إلى سترها بما كان يحيط بهما من ورق الأشجار، وبذلك وقعا في معصية الله تعالى، كما قال تعالى في سورة طه: ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَىٰ آدَمُرَبَّهُ فَغَوَىٰ ﴾ [طه: ١٢١].

فكان نتيجةَ ظلمهما لأنفسهما بمعصية الله أن أُخرجا من جنّة النعيم، وأُهبطا إلى أرض النصب والتعب، ليقدَّر عليهما وعلى ذريتهما ما شاءه الله تعالى من الابتلاء بالخير الذي يدعو إليه الأنبياء والرسل والشر الذي يدعو إليه عدوُّهم الشيطان، لينقسم بنو آدم إلى حزبين، حزب الله وحزب الشيطان.

 ومن الابتلاءِ بالحياة والموت الذي قدّره الله على بني آدم، ليكون مآلهم بعد ذلك إلى الله، ولينقسموا إلى فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، قال تعالى: ﴿ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ  ﴾ [الأعراف: ٢٥]

ولمَّا أدرك آدمُ وزوجُه وقوعَهما في المعصية لم يسلكا سبيل الشيطان من التكبر عن التوبة لمّا عصى ربه بالامتناع عن السجود لآدم، بل سارعا إلى الندم والتوبة، فلقَّنهما الله كلمات يصرحون بها توبتهم إلى الله، كما قال تعالى حاكيا عنهما : ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].

فما كان من شأن التواب الرحيم الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات إلا أن قبِل توبتهما، غير أن ذلك لم يحُل بينهما وبين عواقب معصيتهما.

وفي هذا المقطع من الفوائد ما يلي:

أولا: خطر مخالفة أوامر الله.

ثانيا: العداوة الشديدة التي يحملها الشيطان لآدم وذريته.

ثالثا: دأب الشيطان الدائم على الإيقاع ببني آدم في شراك المعاصي والكبائر.

رابعا: أن يحرص المسلم على المسارعة إلى التوبة كلما وقع في المعصية.

خامسا: سعة رحمة الله وعفوه، وقبوله توبة التائبين، والله تعالى أعلم.

 

 

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿٣٤

واذكر يا نبيَ الله وقتَ إذ أمرتُ الملائكةَ بالسجود لآدم، سجودِ تعظيم وتشريف وتكريم، لا سجود عبادة، إذ لا ينبغي أن يُسجد تعبدا إلا لله تعالى، كما قال عز وجلّ: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّـهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ  ﴾ [فصلت: ٣٧]؛ فامتثلت الملائكةُ جميعُها لأمر ربها، كما هو شأنها في جميع ما تؤمر به، قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ  ﴾ [الحجر: ٣٠]، لكنّ إبليسَ اللعين الذي كان من الجن، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ... الآية ﴾ [الكهف: ٥٠]، وكان ممن يختلط بالملائكة امتنع عن امتثال أمر الله غرورا وكِبرا، إذ زعم أنه خير من آدم فكيف يسجد لمن هو أقل منه شأنا؟؟ فقال: ﴿ ...أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ [الأعراف: ١٢]، فأداه غروره واستكباره إلى استحقاق لعنة الله الأبدية، والسقوط في هوّة الكفر، فكان من المرجومين الكافرين، كما قال تعالى في سورة الحجر: قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴿٣٥﴾.

وفي هذه الآية دروس وعبر لكل مؤمن، منها: الحرصُ على طاعة الله وعدم مخالفة أوامره اقتداءً بالملائكة المطيعين، واجتنابُ الأخلاق الذميمة التي توقع المرء في غضب الله، من الكبر والحسد وقول "أنا" للمباهاة والاستعلاء على الآخرين، والله تعالى أعلم. 

الذي يبدو أنه لما عُرض على الملائكة تلك الأسماء التي عُلمها آدم عليه السلام، تبين لها أنها لا تصلح لخلافة الأرض لا لنقص في ذاتها، ولكن لأمور، وهي:

أولا: أن طبائع الملائكة تختلف عن طبائع البشر، فهم مخلوقات نورانية لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون من الخير، لا يقربون الشر أبدا، والبشر خُلقوا ليذنبوا ثم ليستغفروا الله فيتوب عليهم، وهذا ما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:  والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم  والحديث رواه مسلم 

ثانيا: أن خلافة الأرض قائمة على الابتلاء ثم الجزاء، ويدل عليه قوله تعالى في سورة الملك: تَبَـٰرَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ ﴿٢﴾، والملائكة لم تخلق للابتلاء ولا للجزاء، والذي خُلق للابتلاء والجزاء هم الإنس والجن، كما قال تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿السجدة: ١٣﴾

ولهذا ما طلبت الملائكة من الله أن يعلمها الأسماء كما علمها آدم، ولو علمها إياها ما كان ذلك ليجعلها مؤهلة لخلافة الأرض، لأنها ما خُلقت إلا لعبادة الله في السماء  دون فتور واستكبار، كما قال تعالى في سورة الأنبياء:  وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُۥ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴿١٩﴾ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴿٢٠

والله تعالى أعلم